قصة قراءاتي
قصة قراءاتي
من طفلٍ لم تكن القراءة خياره الأول… إلى مشروع ثقافي يريد
أن يجعل المعرفة جزءًا من حياة الأطفال
قد يبدو طبيعيًا أن تبدأ قصة مكتبة بشخص أحب الكتب منذ طفولته.
لكن قصة قراءاتي بدأت بطريقة مختلفة تمامًا.
بدأت بطفل نشأ في بيت قارئ… لكنه لم يكن قارئًا.
طفل كان يفضّل أن يخرج من البيت، يركب دراجته، يلعب كرة القدم، ويقضي وقته في اللعب مع أصدقائه.
ومع دخول التقنية إلى حياته، أحب الكمبيوتر وألعاب الفيديو والبلايستيشن، وحتى ألعاب الجوال البسيطة في ذلك الوقت، ومنها لعبة «الدودة».
كان ذلك الطفل هو مشاري عبدالله الناجم، مؤسس قراءاتي.
ولو عاش مشاري طفولته اليوم، فربما لم تكن اهتماماته مختلفة كثيرًا عن اهتمامات أطفال هذا الجيل؛ كرة قدم، وأصدقاء، وسيكل، وألعاب إلكترونية، وشاشات وتقنية.
كانت هناك أشياء كثيرة تستحوذ على اهتمامه.
لكن الكتاب لم يكن واحدًا منها.
طفل في بيت قارئ
المفارقة أن مشاري لم ينشأ في منزل بعيد عن الكتب.
على العكس تمامًا.
نشأ في بيت قارئ.
كانت والدته تقرأ، وإخوته وأخته يقرؤون، وكان من بينهم من يقرأ بنهم، وكان الكتاب حاضرًا في محيط الأسرة.
ومع ذلك، لم تنتقل هذه العلاقة بالقراءة إلى مشاري بالطريقة نفسها.
لم يكن يكره القراءة، ولم تكن لديه مشكلة في أن يقرأ أو يكتب، ولم يكن ضعيفًا دراسيًا بسببها؛ فقد مر بمراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي كغيره من الطلاب.
المسألة ببساطة أن القراءة لم تكن ممارسة يحبها ويختارها من تلقاء نفسه.
كانت الكرة أكثر جاذبية.
والسيكل أكثر متعة.
والخروج واللعب مع الأصدقاء أكثر قربًا إليه.
ثم جاءت الألعاب الإلكترونية والكمبيوتر والبلايستيشن لتأخذ هي الأخرى جزءًا من اهتمامه.
وكان يشعر في مراحل من حياته بشيء لم يكن يستطيع أن يصفه جيدًا في ذلك الوقت.
شيء يشبه الفراغ الفكري والمعرفي.
لكنه لم يكن يعرف ما هذا الفراغ، ولا كيف يمكن أن يملأه.
وسيحتاج إلى سنوات طويلة حتى يبدأ في فهمه.
ومن هنا ظهرت، بعد سنوات، واحدة من أهم المفارقات في قصة قراءاتي:
كيف يمكن لطفل أن ينشأ في بيت قارئ، وبين أشخاص يحبون الكتب، ومع ذلك لا تصبح القراءة جزءًا من حياته؟
هذا السؤال لم يكن موجودًا في ذهن مشاري وهو طفل.
لكنه سيعود إليه يومًا ما، وسيغير مسار قراءاتي بالكامل.
2010–2014 | عندما أصبح العالم أكبر
في عام 2010، انتقل مشاري إلى كندا للدراسة.
وكانت تلك السنوات من أولى المراحل التي بدأت توسع علاقته بالعالم والمعرفة.
لم تكن التجربة بالنسبة إليه «صدمة ثقافية» بالمعنى المعتاد؛ فقد كان متقبلًا للاختلاف ومنفتحًا على الناس.
لكن شيئًا آخر حدث.
العالم الذي يعرفه أصبح فجأة أكبر بكثير.
وجد نفسه يعيش ويدرس ويلتقي بأشخاص من ثقافات وجنسيات مختلفة.
صينيون وكوريون ويابانيون، وبرازيليون وإسبان وفرنسيون، وأشخاص من ثقافات أخرى، إضافة إلى أصدقاء من مختلف الدول العربية.
كما عاش جزءًا من تجربته مع عائلات كندية.
وأصبح يلاحظ شيئًا كان يثير فضوله:
الناس لا يفكرون بالطريقة نفسها.
لكل مجتمع عاداته.
ولكل ثقافة طريقتها.
ولكل إنسان تجربته التي تشكل نظرته إلى الأشياء.
الموقف نفسه قد يراه شخص بطريقة، ويراه شخص آخر بطريقة مختلفة تمامًا.
وبدأ مشاري يكتشف عالمًا أكبر من الدائرة التي اعتاد عليها.
كيف يعيش هؤلاء؟
كيف يفكرون؟
لماذا يفعلون الأشياء بهذه الطريقة؟
كيف ينظرون إلى الحياة؟
وماذا نعرف نحن عنهم، وماذا يعرفون هم عنا؟
كانت الأسئلة أكثر من الإجابات.
لكن هذه الأسئلة بدأت تحرك شيئًا مهمًا:
الفضول.
بيئة تجعلك تريد أن تعرف
لم يكن أحد يمشي خلف مشاري في كندا ويقول له:
«اذهب واقرأ.»
ولم يكن هناك شخص يعطيه قائمة كتب ويطلب منه إنهاءها.
لكن البيئة نفسها كانت تشجعه على المعرفة بطريقة غير مباشرة.
كل إنسان جديد كان قصة.
وكل ثقافة مختلفة كانت سؤالًا.
وكل حوار يمكن أن يفتح موضوعًا لم يفكر فيه من قبل.
وهكذا بدأ يكتشف شيئًا سيفهم قيمته بصورة أكبر بعد سنوات:
البيئة تستطيع أن تجعل الإنسان يريد أن يعرف.
وهذه الفكرة تحديدًا ستعود لاحقًا لتصبح جزءًا أساسيًا من فلسفة قراءاتي.
المكتبة التي دخلها للدراسة
كانت المكتبات العامة جزءًا مهمًا من تجربة مشاري في كندا.
لكن حتى هذه العلاقة لم تبدأ بطريقة رومانسية مع الكتب.
كان يذهب إلى المكتبة أساسًا من أجل الدراسة.
ومع الوقت، بدأ يستمتع بالمكان نفسه.
يدرس قليلًا.
ثم يقوم من مكانه ويتجول.
ينظر إلى رفوف الكتب.
يقرأ العناوين.
يفتح أحيانًا كتابًا ويقرأ شيئًا بسيطًا منه.
ثم يعود إلى دراسته.
لم يكن يستعير مجموعة من الكتب كل أسبوع، ولم يتحول فجأة إلى قارئ نهم.
كانت البداية أبسط من ذلك بكثير.
فضول صغير.
لكنه كان يكبر بهدوء.
اللغة الإنجليزية عرّفتني أكثر على العربية
كان تعلم اللغة الإنجليزية أيضًا بابًا آخر.
لكي يتمكن من اللغة، كان عليه أن يمارسها من جوانب متعددة؛ أن يستمع، ويتحدث، ويكتب، ويقرأ.
وهكذا أصبح مضطرًا إلى الاقتراب من القراءة أكثر.
بدأ يقتني بعض الكتب باللغة الإنجليزية، ويقرأ بهدف تطوير لغته، ويتوقف عند الكلمات الجديدة ويحاول فهم معانيها.
والغريب أن تعلم لغة جديدة جعله يعيد اكتشاف علاقته بلغته العربية أيضًا.
وبدأ فضوله يتوسع إلى موضوعات أخرى.
أصبح يحب أن يقرأ عن السعودية وتاريخها، وأن يتعرف على تاريخ وتجارب مجتمعات ودول مختلفة.
وبدأ يدرك، ولو بصورة أولية، أن القراءة ليست مجرد صفحات تنتهي منها.
القراءة يمكن أن تفتح لك عالمًا لم تعشه بنفسك.
أبي أصير كاتب
وفي يوم من أيام دراسة اللغة الإنجليزية، قال مشاري لمعلمته:
«أريد أن أصبح كاتبًا.»
كان يحب في تلك الفترة كتابة بعض المقالات باللغة الإنجليزية.
ووصل به الحماس إلى أن أنشأ صفحة على فيسبوك وأسماها:
«الفيلسوف»
لينشر فيها بعض كتاباته وأفكاره.
وعندما أخبر معلمته بأنه يريد أن يصبح كاتبًا، قالت له مشجعة:
«يا مشاري، إذا أصبحت كاتبًا، فتأكد أنك ستصبح Famous.»
ويضحك مشاري اليوم عندما يتذكر الموقف ويقول:
«ومن يومها حفظت كلمة Famous، وما نسيتها إلى اليوم!»
ربما كانت جملة عابرة بالنسبة للمعلمة.
لكنها بقيت في ذاكرته سنوات.
ولم يكن يعلم وقتها أن الطفل الذي كان يفضل السيكل والكرة والبلايستيشن على الكتاب سيأتي عليه يوم يؤسس فيه مشروعًا ثقافيًا كاملًا.
بذور لم يظهر أثرها بعد
انتهت تجربة كندا، لكن مشاري لم يعد منها شخصًا مختلفًا تمامًا.
لم يصبح قارئًا نهمًا.
ولم تصبح الكتب فجأة محور حياته.
وهذا جزء مهم من القصة.
التغيير لم يكن لحظة واحدة.
كان تراكميًا.
لغة جديدة.
مكتبة.
كتاب يشتريه.
مقال يكتبه.
شخص من ثقافة مختلفة.
حوار.
سؤال.
معلومة جديدة.
فضول تجاه التاريخ.
ورغبة في معرفة العالم.
كانت كلها بذورًا صغيرة.
لكنها لم تجتمع بعد في صورة واحدة.
حتى جاء عام 2018.
2018 | عندما توقفت الحياة قليلًا
في عام 2018، مر مشاري بوعكة صحية.
وكانت تلك المرحلة سببًا في أن يتوقف ويعيد النظر في جوانب مختلفة من حياته.
كان يعاني في تلك الفترة من التفكير السلبي، وأصبح يبحث عن طرق تساعده على إعادة ترتيب حياته وطريقة تفكيره.
وفي أحد الأيام، تحدث مع أخيه الأكبر وقال له إنه يريد أن يتخلص من التفكير السلبي الذي أصبح يرهقه.
فأحضر له أخوه كتابًا عن إعادة التفكير.
قرأ مشاري جزءًا منه.
ولم يكمل الكتاب.
ولهذا، عندما يعود اليوم إلى تلك المرحلة، لا يقول إن كتابًا واحدًا غيّر حياته.
لأن الحقيقة كانت مختلفة.
التغيير جاء من مجموعة أشياء اجتمعت معًا.
كان هناك التقرب إلى الله.
وقراءة القرآن.
وإعادة النظر في نمط الحياة.
والبحث عن المعرفة.
والاهتمام أكثر بطريقة التفكير.
والبدء بإدخال عادات إيجابية إلى يومه.
ومن بين أبسط هذه العادات:
المشي.
بدأ يمارس الرياضة من خلال المشي.
خطوات بسيطة، لكنها كانت جزءًا من محاولة أكبر لإعادة ترتيب حياته جسديًا وفكريًا ونفسيًا.
وكانت هناك عادة أخرى يريد أن يدخلها إلى حياته بصورة أقوى:
القراءة.
أعرف أنها مهمة… لكن كيف أستمر؟
كان مشاري في ذلك الوقت يقترب من الثلاثين من عمره.
وبدأ يدرك بصورة أكبر شيئًا كان يتمنى لو أدركه في وقت أبكر:
القراءة مهمة.
مهمة في بناء التفكير.
وفي توسيع المعرفة.
وفي فهم الإنسان لنفسه والعالم.
وفي قدرته على التعبير.
وفي جودة حياته.
لكن المشكلة كانت واضحة.
هو الآن يعرف قيمة القراءة.
لكنه لم يبنِ عادتها منذ طفولته.
لم تكن لديه تلك الدافعية الداخلية التي تجعله يأخذ كتابًا ويستمر في القراءة لفترات طويلة من تلقاء نفسه.
وهنا طرح على نفسه سؤالًا بسيطًا:
كيف أجعل نفسي أستمر؟
وكانت الإجابة:
لماذا لا أحيط نفسي بالقراء؟
إذا كنت لا أستطيع المحافظة على هذه العادة وحدي، فلماذا لا أصنع بيئة تساعدني؟
أتعرف على أشخاص يقرأون.
أصبح صديقًا لهم.
أسمع عن كتبهم.
أستفيد من قراءاتهم.
أتعلم من أفكارهم.
نتناقش.
نتبادل المعرفة.
ويحفزني وجودهم على أن أستمر.
كانت الفكرة في بدايتها شخصية جدًا.
لم يكن مشاري يفكر:
تأسيس مؤسسة ثقافية.
كان يفكر:
أريد بيئة تساعدني على الاستمرار.
بيئة تغذيه معرفيًا وفكريًا، وتمنحه فرصة في الوقت نفسه لأن يقدم شيئًا للآخرين ويصنع أثرًا في حياته وحياة من حوله.
وهنا عادت، دون تخطيط، الفكرة التي عاشها قبل سنوات في كندا:
البيئة تصنع فرقًا.
ومن هذه الحاجة الشخصية…
بدأت قراءاتي.
نهاية 2018 | ولادة قراءاتي
في نهاية عام 2018، أسس مشاري عبدالله الناجم مبادرة قراءاتي.
وكانت إحدى أهم محطات انطلاقتها من مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء).
بدأت الفكرة ببساطة:
أن نجتمع حول المعرفة.
من لقاء إلى لقاءين تقريبًا في الشهر، يجتمع عدد من القراء والمهتمين.
أحيانًا يكون النقاش حول كتاب واحد.
وأحيانًا حول عدة كتب.
كل شخص يأتي بما قرأه، وما فهمه، وما أثار فضوله.
وتبدأ الحوارات.
لم يعد مشاري مضطرًا لأن يقرأ كل شيء بنفسه حتى يتعلم.
أصبح أمامه مجتمع كامل من الأشخاص، كل واحد منهم يحمل تجربة وكتابًا وفكرة.
وهكذا تحولت الحاجة الشخصية تدريجيًا إلى مبادرة مجتمعية.
من اللقاء إلى التجربة الثقافية
لم تبقَ قراءاتي داخل حدود اللقاءات.
مع الوقت، بدأت الفكرة تتسع.
أصبح هناك اهتمام بالرحلات والزيارات والتجارب الثقافية.
شاركت قراءاتي وزارت معارض للكتاب، من بينها معرض الكتاب في الجبيل، كما كانت هناك زيارات متعددة لمعرض الكتاب في الرياض، إلى جانب المشاركات والزيارات الثقافية في المنطقة الشرقية.
كان الهدف يتطور.
لم نعد نريد أن نجتمع حول كتاب فقط.
أردنا أن نعيش الثقافة.
أن نذهب إلى الأماكن.
أن نلتقي بالناس.
أن نتحاور.
أن نكتشف.
وأن تصبح المعرفة تجربة اجتماعية وإنسانية وليست نشاطًا فرديًا فقط.
واستمرت هذه المرحلة من عام 2018 وحتى عام 2022.
وخلال سنوات المبادرة، صنعت قراءاتي أكثر من 100 لقاء وتجربة، وشارك في أنشطتها أكثر من 9,000 شاب وشابة.
والفكرة التي بدأت لأن شخصًا واحدًا أراد أن يساعد نفسه على الاستمرار في القراءة…
أصبحت تجمع آلاف الأشخاص حول الثقافة والمعرفة.
والسؤال أصبح أكبر
مع كل لقاء وتجربة، كانت قراءاتي تتعلم هي الأخرى.
في البداية كان السؤال:
كيف نشجع الناس على القراءة؟
ثم أصبح:
كيف نجعل المعرفة أقرب إلى الإنسان؟
ثم أصبح أكبر:
كيف يمكن للثقافة والمعرفة أن تصنعا أثرًا حقيقيًا في حياته؟
وخلال هذه الرحلة، خاضت قراءاتي تجارب متعددة في البرامج والفعاليات والمنتجات والكتب والطباعة والمشاريع الثقافية.
نجح بعضها.
وتعثر بعضها.
وتعلمنا من كليهما.
لم تكن الرحلة خطًا مستقيمًا.
وكانت هناك تحديات وتجارب وقرارات أعادت تشكيل المشروع أكثر من مرة.
لكن شيئًا واحدًا بقي حاضرًا:
الرغبة في التعلم والاستمرار.
2022 | من المبادرة إلى المؤسسة
في عام 2022، انتقلت قراءاتي إلى مرحلة جديدة.
وأصبحت مكتبة ثقافية رسمية ومرخصة من هيئة المكتبات التابعة لوزارة الثقافة.
كانت هذه الخطوة أكبر من تغيير صفة أو الحصول على ترخيص.
كانت بداية الانتقال من مبادرة تطوعية يقودها الشغف إلى مشروع ثقافي يبحث عن نموذج يستطيع أن ينمو ويستمر ويصنع أثرًا أكبر.
لكن مع نضج التجربة، ظهر سؤال جديد:
أين يمكن أن يكون أثر قراءاتي أعمق؟
وهذا السؤال أعاد مشاري مرة أخرى إلى البداية.
إلى طفولته.
لماذا الطفل؟
عاد مشاري إلى الطفل الذي كانه يومًا ما.
طفل يحب أن يخرج من المنزل.
يركب السيكل.
يلعب كرة القدم.
يلعب مع أصدقائه.
يجلس على الكمبيوتر.
يمسك البلايستيشن.
ويلعب ألعاب الجوال.
وحوله في المنزل أشخاص يقرؤون.
والكتاب موجود.
ومع ذلك لم يكن الكتاب خياره الأول.
ثم نظر إلى أطفال اليوم.
تغيرت الأجهزة.
وتطورت الألعاب.
وأصبح هناك آيباد وجيمينج ومحتوى رقمي لا ينتهي.
لكن السؤال في جوهره لم يتغير كثيرًا:
كيف نجعل المعرفة جذابة للطفل وسط كل هذه الأشياء التي تتنافس على انتباهه؟
وهنا فهم مشاري شيئًا من تجربته الشخصية:
وجود الكتاب وحده لا يصنع قارئًا.
فهو نفسه نشأ في بيت قارئ، ومع ذلك لم تصبح القراءة عادة لديه.
إذًا، المسألة ليست أن نضع كتابًا أمام الطفل ونطلب منه أن يقرأ.
هناك شيء أعمق.
نحتاج أن نصنع البيئة التي تجعل الطفل يريد أن يعرف.
ماذا لو اكتشفت القراءة أبكر؟
عندما بدأ مشاري يدرك أثر القراءة والمعرفة في حياته في سن متقدمة، ظهر داخله سؤال شخصي آخر:
ماذا لو اكتشفت هذا كله وأنا صغير؟
ماذا لو أصبحت القراءة عادة لدي منذ الطفولة؟
ماذا لو تعلمت منذ سنواتي الأولى أن أبحث عندما لا أعرف؟
وأن أقرأ عندما أريد أن أفهم؟
وأن أستخدم المعرفة حتى أطور نفسي وأفكاري؟
ومن هنا بدأ يرى أن الاستثمار الحقيقي يمكن أن يبدأ من الطفل.
لأن الطفل الذي تنشأ لديه علاقة إيجابية مع القراءة والمعرفة منذ الصغر لا يكتسب عادة قراءة فقط.
تتسع مفرداته.
يتحسن تعبيره عن أفكاره.
ينمو خياله.
تتوسع مداركه.
يتعلم أن يسأل.
ويبحث.
ويناقش.
ويفهم وجهات النظر المختلفة.
ويصبح لديه مصدر يستطيع أن يعود إليه طوال حياته كلما أراد أن يتعلم أو يتطور.
وهنا لم يكن انتقال قراءاتي من الشباب إلى الأطفال مجرد تغيير في الفئة المستهدفة.
كان عودة إلى أصل القصة.
لا أريد من الطفل أن يتوقف عن اللعب
ولأن مؤسس قراءاتي نفسه كان طفلًا يحب اللعب، لم تكن فلسفة قراءاتي أن نقول للطفل:
«اترك اللعب واقرأ.»
لم تكن المشكلة يومًا في كرة القدم.
ولا في السيكل.
ولا في اللعب مع الأصدقاء.
ولا حتى في التقنية نفسها.
كلها كانت جزءًا جميلًا وطبيعيًا من طفولة مشاري، كما أن اللعب والتقنية جزء من حياة أطفال اليوم.
السؤال الحقيقي كان:
كيف نجعل المعرفة تدخل إلى عالم الطفل بدلًا من أن نطلب من الطفل أن يترك عالمه حتى يدخل إليها؟
كيف يمكن أن تكون القراءة فيها تجربة؟
ولعب؟
وتحدٍ؟
وقصة؟
وسؤال؟
واكتشاف؟
كيف نجعل الطفل يشعر بالفضول قبل أن نطلب منه أن يقرأ؟
وهنا بدأت تتشكل فلسفة مختلفة لقراءاتي:
لا نفصل بين عالم الطفل والمعرفة… نأخذ المعرفة إلى عالمه.
2024 | الطفل في قلب قراءاتي
منذ عام 2024، أصبحت قراءاتي أكثر تخصصًا في تصميم التجارب الثقافية والتعليمية للأطفال.
وأصبح الطفل محورًا رئيسيًا في المشروع.
لم نعد ننظر إليه كمتلقٍ نضع أمامه المعلومة ونطلب منه حفظها.
نراه إنسانًا صغيرًا لديه أسئلة.
واهتمامات.
وقدرات.
وطريقة خاصة في التفكير.
يقرأ.
ويلعب.
ويجرب.
ويخطئ.
ويحاول.
ويكتشف نفسه والعالم من حوله.
ومن هنا بدأت قراءاتي في تطوير برامج وتجارب تجمع بين الثقافة والقراءة والتعلم والتفكير والفضول واللعب والتجربة.
وقدمنا عشرات البرامج والتجارب الثقافية والقرائية للأطفال، وبنينا تجارب وشراكات مع جهات ومؤسسات مختلفة.
ومع كل برنامج، أصبح السؤال داخل قراءاتي أكثر نضجًا.
لم يعد:
كم طفلًا حضر؟
ولا:
ما الفعالية القادمة؟
أصبح السؤال:
ماذا سيبقى داخل هذا الطفل بعد أن تنتهي التجربة؟
من الشغف إلى العمل المؤسسي
ومع نمو قراءاتي، أصبح واضحًا أن الأثر الذي نطمح إليه يحتاج إلى أكثر من الشغف.
يحتاج إلى مؤسسة.
وفريق.
وأنظمة.
وشراكات.
وبرامج ذات جودة.
ونموذج عمل مستدام.
وقدرة مستمرة على القياس والتعلم والتطوير.
لذلك دخلت قراءاتي مرحلة جديدة من تاريخها؛ مرحلة العمل المؤسسي.
مرحلة تطوير الخدمات.
وبناء الفريق.
وتوسيع الشراكات.
وتطوير البرامج والمنتجات الثقافية.
والعمل على نموذج قادر على النمو والاستمرار.
لأن الاستدامة بالنسبة لقراءاتي ليست هدفًا ماليًا فقط.
الاستدامة هي التي تسمح للأثر بأن يستمر.
واليوم…
عندما ننظر اليوم إلى رحلة قراءاتي من بدايتها، يبدو أن الأحداث المتفرقة لم تكن متفرقة كما كانت تبدو.
طفل نشأ في بيت قارئ لكنه اختار السيكل والكرة واللعب على الكتاب.
شاب سافر إلى كندا فاكتشف عالمًا واسعًا من البشر والثقافات والأفكار.
طالب دخل المكتبة من أجل الدراسة، ثم بدأ يتجول بين الكتب.
شخص تعلم الإنجليزية، فاكتشف من خلالها قيمة القراءة واللغة والمعرفة.
شاب أنشأ صفحة أسماها «الفيلسوف»، وقال لمعلمته يومًا إنه يريد أن يصبح كاتبًا.
ثم جاءت وعكة صحية جعلته يعيد النظر في حياته.
فبدأ يمشي.
ويقرأ القرآن.
ويغير بعض عاداته.
ويبحث عن المعرفة.
ثم أراد أن يقرأ أكثر، لكنه عرف أنه يحتاج إلى بيئة تساعده.
فقرر أن يحيط نفسه بالقراء.
ومن هنا ولدت مبادرة.
ثم أصبح للمبادرة مجتمع.
وأصبح للمجتمع آلاف المشاركين.
ثم تحولت المبادرة إلى مكتبة ثقافية رسمية.
ثم عاد مؤسسها إلى الطفل الذي كانه يومًا وسأل:
ماذا لو استطعنا أن نجعل الطفل يكتشف قيمة المعرفة في وقت أبكر؟
الخيط الذي يربط القصة كلها
بعد كل هذه السنوات، ربما توجد فكرة واحدة تستطيع أن تربط قصة قراءاتي كلها:
البيئة تصنع فرقًا.
الكتاب مهم.
لكن وجوده وحده لا يكفي.
والقارئ مهم.
لكن وجود قارئ في المنزل لا يعني بالضرورة أن كل طفل سيحب القراءة.
والطفل لا يحتاج دائمًا إلى شخص يقول له:
«اقرأ.»
أحيانًا يحتاج إلى تجربة تجعله يريد أن يقرأ.
يحتاج إلى سؤال يثير فضوله.
وإلى شخص يلهمه.
وإلى قصة تشده.
وإلى تحدٍ يجعله يبحث.
وإلى بيئة تجعله يشعر أن المعرفة جزء من حياته وليست واجبًا مفروضًا عليه.
وهذا ما تحاول قراءاتي أن تصنعه.
هذه هي قراءاتي
اليوم، بعد سنوات من التجربة، أصبحت الفكرة أكثر وضوحًا:
قراءاتي ليست قراءة كتاب.
قراءاتي مساحة نصنع فيها تجارب ثقافية تُلهم العقول، وتوقظ الفضول، وتُطلق الإمكانات.
وما بدأ في عام 2018 كحاجة شخصية ومبادرة صغيرة أسسها مشاري عبدالله الناجم، تحول مع السنوات والتجارب والأشخاص الذين آمنوا بالفكرة إلى مشروع ثقافي يحمل طموحًا أكبر.
طموحنا ليس أن نقول للطفل إن القراءة مهمة.
نريد أن نصنع له تجربة تجعله يكتشف ذلك بنفسه.
لا نريد أن نطلب منه أن يترك عالمه من أجل المعرفة.
نريد أن نجعل المعرفة جزءًا من عالمه.
نريد أن يكبر الطفل وهو يعرف أن السؤال بداية معرفة، وأن الكتاب أحد أبوابها، وأن التعلم لا يتوقف عند المدرسة، وأن فضوله يمكن أن يقوده إلى أماكن لم يكن يتخيلها.
ونعمل اليوم على أن تصبح قراءاتي مؤسسة ثقافية سعودية مستدامة، تنمو عامًا بعد عام، وتصنع أثرًا أعمق في الأطفال والأسر والمجتمع.
والمفارقة الجميلة أن كل ذلك بدأ من طفل لم يكن الكتاب خياره الأول.
طفل كان يحب الكرة والسيكل واللعب والبلايستيشن أكثر من القراءة.
كبر ذلك الطفل، واكتشف قيمة المعرفة في وقت متأخر نسبيًا…
فقرر أن يحاول إيصالها إلى الأطفال في وقت أبكر.
وهكذا، لم تبدأ قراءاتي من كتاب.
بدأت من إنسان كان يبحث عن المعرفة،
فاكتشف أن البيئة قد تغيّر علاقتنا بها،
ثم قرر أن يصنع هذه البيئة للآخرين.
هذه قصة قراءاتي…
والقصة ما زالت تُكتب.